الشيخ حسين بن علي الكاشفي ( الواعظ الهروي )
151
رشحات عين الحياة في مناقب مشايخ الطريقة النقشبندية وآدابهم النبوية وأسرارهم الربانية
صغر سني أنه لم يقابلني أحد إلا كان مغلوبا ولم يروج أمره ولا مجال لأحد في معاندة مريدي خواجة عبد الخالق ، فإنهم هم الغالبون البتة بإذن اللّه تعالى وعونه فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ [ المائدة : الية 56 ] . وكان حضرة شيخنا قوي الاعتقاد وكثير الاستحسان لوعظ درويش أحمد ، وقال : كان قلبي كثير الميلان إلى وعظه ، وقد كان يتكلم كثيرا بكلام حسن دقيق وكان مجلس وعظه حقيقا بأن يحضر فيه أمثال الشيخ أبي حفص الحداد وأبي عثمان الحيري ، وكان يقول أحيانا : كان ينبغي أن يحضر في مجلسه أبو القاسم الجنيد والشيخ أبو بكر الشبلي ليسمعا منه الحقائق الرفيعة . تكلم يوما في مجلس الوعظ بكلام رفيع دقيق ففطن أن بعض المنكرين في المجلس يقول : ما كان ينبغي أن يتكلم بأمثال هذا الكلام في مجلس العوام ، بل الأليق التكلم على قدر عقول الأنام . فقال في الحال : إنك لا تفهم دقائق كلام هذه الطائفة لدناءتك وغباوتك ، فمن أين علمت أن الحاضرين كلهم أغبياء مثلك لا يفهمون المرام من الكلام . ولعل في هذا المجلس أناس يصدر هذا الكلام من أجلهم وبالنسبة إليهم ولا ينبغي أن تحسب الكل غبيا عديم الفهم مثلك . وقال حضرة شيخنا : كان درويش أحمد يتكلم في المنبر بكلام عال جدا ، وكان النظاميون يطلقون عليه لسان الطعن والإنكار ، وكان جواب معتقديه ومحبيه من طرفه : أن أمثال هذا الكلام تصدر عنه بلا اختيار فإن الكلام إنما يصدر على حسب استعداد الحاضرين في المجلس ، فلا اختيار له في هذا الكلام ولا مواخذة فيما لا اختيار فيه . وقال : كنت مرة في مجلسه فصدر عنه كلام في غاية الدقة واللطافة ، فافتخر بهذا الكلام وظن أنه ناشىء عن استعداده . وأظهر المنة على أهل المجلس وقال : أنا الذي يقرع سمعكم بواسطتي الحقائق الغيبية والمعارف اللاريبية ، وأنتم لا تعرفون قدرها ولا تخرجون عن عهدة شكرها . وكرر هذا الكلام وتجاوز الحد في الامتنان ، وبلغ من المبالغة في هذا الباب النهاية ، فثقل تفاخره هذا عليّ ، فقلت في نفسي : من أين صار لك معلوما أن هذا الكلام ناشىء عن حقيقتك ! فلم لا تحمله على أن يكون في هذا المجلس بعض خواص عباد اللّه بجذب استعدادهم هذه المعاني من المبدأ الفياض فإن لم يكن استعدادات وقابلية من أهل المجلس لم تقدر